أصول وتاريخ المتحف النمساوي بيليفيري
يستقر المتحف النمساوي بيليفيري في قلب مجمع قصر ومتحف بيلفيدير العريق في مدينة فيينا بالنمسا. وقد شُيد هذا المجمع المعماري في أوائل القرن الثامن عشر ليكون بمثابة المقر الصيفي للأمير إيوجين دي سافوي، حيث صمم المهندس المعماري يوهان لوكاس فون هيلدبراند هذا المجمع المتناغم، ليبدع صرحاً تحول عبر الزمن من ملاذ أرستقراطي خاص إلى مؤسسة ثقافية عامة تفتح أبوابها للعالم.
تتجلى في تاريخ هذا الموقع ملامح التحول نحو ديمقراطية الفن؛ ففي عام 1776، قامت الإمبراطورة ماريا تيريزا بنقل المعرض الإمبراطوري للصور من "ستالبرغ" إلى قصر بيلفيدير العلوي، وهي الخطوة التي مهدت الطريق للتأسيس الرسمي للمتحف كأول متحف عام في فيينا عام 1781. وقد ضمنت هذه التحولات التاريخية وصول المجموعات الإمبراطوريّة إلى الجمهور، لتخرج من حيز الخصوصية الملكية الضيقة إلى فضاء الإتاحة الثقافية الشاملة.
واليوم، يقدم هذا الصرح الفني استعراضاً ساحراً لـ الفن النمساوي الممتد من العصور الوسطى حتى العصر الحديث. وتنتظم هذه المجموعة ضمن سياق دولي فريد، يتتبع تطور الثقافة البصرية للأمة عبر عدة قرون، حيث تضم مقتنيات المتحف:
- لوحات خشبية من العصور الوسطى
- منحوتات عصر النهضة
- أعمال فنية من القرن التاسع عشر
- لوحات فنية حداثية
عمارة القصور الباروكية
يتألف مجمع الباروك في المتحف النمساوي بيليفيري من قصرين مهيبين، هما بيلفيدير العلوي والسفلي، يحيط بهما مشتل البرتقال وإسطبلات القصر. وقد اكتمل بناء هذا المجمع المعماري في أوائل القرن الثامن عشر، بتوقيع المهندس المعماري يوهان لوكاس فون هيلدبراند، الذي صاغ هذا النسيج العمراني ليعكس المتطلبات الرسمية لمقر صيفي خاص بالأمير يوجين دي سافوي، حيث تتجلى في أركانه قيم التناظر المطلق والأناقة الهيكلية الرصينة. ويشكل القصر وحدائقه المحيطة جزءاً لا يتجزأ من الإرث الباروكي للمركز التاريخي في فيينا، المدرج ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي.
تتبع المخططات الهندسية للمكان مبادئ الباروك الصارمة، حيث تم تصميم الحدائق بعناية فائقة لتكون امتداداً بصرياً يكمل عظمة القصور، مستخدمةً السياج النباتي المنظم والممرات المحورية لخلق شعور طاغٍ بالنظام والانسجام. لقد كان هذا الاندماج الساحر بين العمارة والطبيعة هو الجوهر الذي قام عليه تصميم هذه الضيعة، حيث ينسجم التفاعل بين البيئة العمرانية والمناظر الطبيعية المنسقة بدقة ليرسم ملامح التجربة المكانية الفريدة لهذا الموقع التاريخي.
المجموعة الواسعة للفن النمساوي
تمتد هذه المجموعة الفنية لتشمل حركات فنية كبرى، تبدأ من الأشكال الهيكلية الرسمية لأسلوب الباروك الوهمي، وصولاً إلى التحولات الفنية التي شهدها القرنان التاسع عشر والعشرون. وتضم المجموعة أضخم تشكيلة من فن الـ بيدرماير الفييناوي، إلى جانب أعمال بارزة تنتمي إلى الانطباعية الفرنسية. وتستقر هذه القطع الفنية داخل أروقة قصر بيلفيدير العلوي والسفلي، لتقدم رؤية متصلة ومستمرة لمسيرة التطور الفني في النمسا.
يحتضن المتحف النمساوي بيليفيري مختارات واسعة من الفن النمساوي، مع تركيز خاص ومبهر على حركة انفصال فيينا وطراز الفن الجديد (Art Nouveau). ويتجلى هذا الثراء في أعمال المبدع غوستاف كليمت، إلى جانب الإسهامات العميقة لكل من إيغون شيله وأوسكار كوكوشكا. ويمثل هؤلاء الفنانون نقطة التحول نحو التعبيرية وما صاحبها من عمق نفسي ميز العصر الحديث، حيث تعكس هذه المقتنيات رحلة الانتقال من التقاليد الأكاديمية الصارمة إلى أشكال تعبيرية أكثر ذاتية وروحانية.
- الحواس الخمس، 1879 - هانس ماكارت
- جوديث، 1901 - غوستاف كليمت
- الموت والعذراء، 1915 - إيغون شيله
روائع مجموعة المتحف النمساوي بيليفيري
يحتضن قصر بيلفيدير العلوي أكبر مجموعة من لوحات غوستاف كليمت في العالم، حيث تتربع لوحة القبلة كجوهرة تاج المعرض ومركز اهتمام الزوار، مجسدةً ذروة الإبداع الفني. كما يضم المتحف بين جدرانه لوحة جوديث I، وهي قطعة فنية استثنائية تسرد ببراعة مراحل تطور الفنان ونضجه الفني. وتنساب هذه الأعمال ضمن مجموعة فنية متكاملة تتبع مسار تطور الحداثة في فيينا، لترسم ملامح عصر فني متجدد.
وتتجلى عظمة مقتنيات المتحف في احتضانها لمساهمات جوهرية من الحركة التعبيرية، حيث يبرز كل من إيغون شيله وأوسكار كوكوشكا من خلال أعمال فنية محورية حددت ملامح التحولات الجمالية في ذلك العصر. لقد نجح هؤلاء الفنانون في التحرر من قيود التقاليد الأكاديمية الصارمة، منطلقين نحو آفاق أكثر ذاتية وعمقاً في التعبير عن المشاعر الإنسانية المتدفقة.
- جوديث I، 1901
- القبلة، 1908
الفن المعاصر في بيليفيري 21
وسع المتحف النمساوي بيليفيري آفاقه في عام 2001 من خلال إضافة "بيليفيري 21"، وهو فضاء مخصص لـ الفن المعاصر يضج بالحداثة ويقع في مبنى كان في السابق مصنعاً للتبغ. تمنح هذه البيئة الصناعية طابعاً فريداً ومختلفاً للتعبير الحديث، مبتعدةً عن الأجواء المهيبة التي تفرضها العمارة الباروكية في القصور الرئيسية. ويعمل هذا الفضاء كمنصة حيوية للفن النمساوي والمعاصر والعالمي، بما في ذلك مجالات السينما والموسيقى.
تتمحور البرامج الفنية في هذا الموقع حول الممارسات الفنية الراهنة، حيث يوفر مساحة يستمر فيها الحوار المتصل بين التقاليد التاريخية والابتكار الحديث. ومن خلال دمج وسائط فنية مثل الأفلام والموسيقى، تتفاعل المؤسسة مع الأشكال المتنوعة للإبداع المعاصر، مما يضمن بقاء المتحف متصلاً بالتحولات المتسارعة والمشهد المتطور للفن العالمي.
