إرث المجموعات: المتحف الوطني الصربي
يقف المتحف الوطني الصربي، الذي تأسس في بلغراد في العاشر من مايو عام 1844، كأقدم وأكبر متحف في البلاد، ليكون شاهداً حياً على تراث ثقافي غني تم الحفاظ عليه بعناية فائقة على مدار قرنين من الزمان تقريباً. ومنذ عام 1950، اتخذ هيكله المهيب في ساحة الجمهورية رقم 1 موطناً له، وإن كانت قصة هذه المؤسسة تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من جدران أي مبنى منفرد. لم يتأسس المتحف ككيان متجانس منذ البداية، بل تطور من سلسلة من المجموعات والجمعيات الصغيرة المكرسة للحفاظ على التاريخ الصربي والفنون والعلوم الطبيعية. ومع مرور الوقت، اتسع نطاقه الذي ركز في البداية على علم الإثنوغرافيا والآثار ليشمل مجموعة مذهلة من الأعمال الفنية العالمية، لا سيما تلك التي اكتسبت بفضل العين الثاقبة للأمير بول يوغوسلافيا في حقبة ما قبل الحرب العالمية الثانية؛ وهي الفترة التي شكلت نقطة تحول جوهرية، محولةً المتحف إلى مستودع للكنوز الفنية العالمية جنباً إلى إلى مقتنياته الوطنية.
الرعاية الأميرية والآفاق الدولية
لا يمكن إنكار تأثير الأمير بول عند النظر في اتساع وعمق مجموعة المتحف الوطني من فنون أوروبا الغربية؛ فإدراكاً منه لأهمية الدبلوماسية الثقافية وقدرة الفن على رفع شأن صربيا على المسرح العالمي، شرع في برنامج استحواذ طموح خلال ثلاثينيات وأوائل أربعينيات القرن الماضي. وقد أسفر ذلك عن تدفق لافت للروائع الفرنسية والروسية والإنجليزية، وهي أعمال كانت ستظل بعيدة المنال عن الكثير من الجمهور الصربي لولا تلك الجهود. وتفخر المجموعة الفرنسية وحدها بأكثر من 250 لوحة وأكثر من 400 عمل جرافيكي تمتد من القرن السادس عشر إلى أوائل القرن العشرين، وتضم أعلاماً مثل روبرت تورنيير، وإوجين ديلاكروا، وغوغان، ورينوار، وهنري دي تولوز لوتريك، ومونيه. كما لا تقل المقتنيات الفنية الروسية إبهاراً، حيث تضم حوالي 90 لوحة ومجموعة هامة من الأيقونات، بما في خلالها أعمال لإيفان أيفازوفسكي، ومارك شاغال، وفاسيلي كاندينسكي، وإليا ريبين. أما المجموعة الإنجليزية، التي جُمعت في الغالب خلال الفترة نفسها، فتستعرض رسامي الانطباعية وما بعد الانطباعية في أواخر القرن التاسع عشر مثل ألفريد سيسلي، وتشارلز كوندر، ووالتر سيكرت. ولم تكن هذه الاستحواذات مجرد زيادة في الكم، بل سعى الأمير بول لبناء سردية متماسكة للتطور الفني الأوروبي، مقدماً للجمهور الصربي نظرة شاملة على الحركات والأساليب الكبرى.
الفن الفرنسي: حوار مع الحداثة
تعد مجموعة الفن الفرنسي ربما أوسع مقتنيات دولية داخل جدران المتحف؛ فهي ليست مجرد عرض لأسماء مشهورة، بل هي اختيار منسق بعناية يكشف عن تطور الرسم الفرنسي عبر عدة قرون. فمن الأناقة الكلاسيكية لنيكولا تورنيير —الذي تعد لوحته "Concert" علامة بارزة— إلى ضربات الفرشاة النابضة بالحياة في المدرستين الانطباعية وما بعد الانطباعية، ترسم المجموعة مساراً عبر اللحظات المحورية في تاريخ الفن. ويجسد حضور فنانين مثل سيزان وديغا تبني الحداثة والتجريب، بينما يضفي إدراج أعمال غوغان ورينوار شغفاً باللون والضوء والتجربة الذاتية، وهي موضوعات ستؤثر بعمق في الفنانين الصرب في العقود التالية. وإلى جانب اللوحات، توفر أكثر من 400 عمل جرافيكي فهماً أعمق للعمليات والتقنيات الفنية، حيث تعرض الرسومات التخطيطية والنقوش والليثوغراف التي تمنحنا لمحة عن العقول المبدعة وراء هذه الأعمال الأيقونية. كما تزيد مجموعة "شلوموفيتش"، التي تضم 58 لوحة وأكثر من 200 عمل جرافيكي، من إثراء هذا القسم، مضيفةً طبقة أخرى من العمق والبراعة إلى المقتنيات الفرنسية للمتحف.
الفن الروسي: الأيقونات ورؤى الطليعة
تقدم مجموعة الفن الروسي تباينًا رائعًا مع نظيرتها الفرنسية؛ فبينما تشمل أيضاً نطاقاً زمنياً واسعاً، إلا أنها تتميز بشكل خاص بعدد كبير من الأيقونات —أكثر من 100 نموذج تمتد من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر. ولا تمثل هذه الأيقونات التقوى الدينية فحسب، بل تجسد أيضاً تقليداً فنياً فريداً يتميز بالتفاصيل المعقدة، ولوحات الألوان الرمزية، والإحساس العميق بالروحانية. وإلى جانب هذه الكنوز التاريخية، تضم المجموعة أعمالاً لرسامين ونحاتين روس بارزين تبنوا الأساليب التقليدية والطليعية على حد سواء. إن وجود فنانين مثل إيفان أيفازوفسكي —المشهور بمناظره البحرية الدرامية— وفاسيلي كاندينسكي —رائد الفن التجريدي— يبرهن على الالتزام باستعراض الطيف الكامل للتعبير الفني الروسي. كما أن وجود أعمال لمارك شاغال، وإليا ريبين، وكازيمير ماليفيتش يعزز من أهمية هذه المجموعة كنافذة على العالم الديناميكي للفن الروسي في أوائل القرن العشرين.
إرث مستمر: الحفاظ والتفاعل
اليوم، يواصل المتحف الوطني الصربي أداء مهمته في الحفاظ على التراث الثقافي الصربي والدولي والترويج له. وبينما تظل المجموعات التي جُمعت في عهد الأمير بول حجر الزاوية لمقتنياته، يسعى المتحف بنشاط لتوسيع نطاق وصوله من خلال المعارض، والبرامج التعليمية، والبحوث الأكاديمية. وتلعب هذه المؤسسة دوراً حيوياً في تعزيز الحوار بين الثقافات وإلهام الأجيال القادمة من الفنانين وعشاق الفن. ويعد وجود قاعدة بيانات مجانية عبر الإنترنت تحتوي على معلومات مفصلة عن جميع الأعمال داخل المتحف دليلاً على هذا الالتزام، مما يجعل هذه الكنوز متاحة لجمهور عالمي. إن المتحف الوطني الصربي ليس مجرد مستودع للأعمال الفنية؛ بل هو مؤسسة حية— ومركز نابض حيث تلتقي التاريخ والفن والثقافة.