الفنان
تاريخ الميلاد كورك, أيرلندا
حياة يلفها الغموض وتغمرها الطموحات الفنية
تعد قصة جيمس باري واحدة من أكثر القصص تناقضاً وإثارة للدهشة، فهي حياة عاشت تحت وطأة خداع صيغ بعناية فائقة، لكنها أضاءت بموهبة فنية حقيقية وتفانٍ مهني لا يتزعزع. ولد باري في مدينة كورك بأيرلندا، في عام 1789 أو 1799 – وهذا التضارب في التواريخ بحد ذاته دليل على التعتيم المتعمد الذي ميز وجوده – وكان حينها يُعرف باسم مارغريت آن بولكلي. لقد استطاع باري أن يشق طريقه في عالم كانت تحدده الأدوار الجندرية بصرامة، وذلك من خلال تبني هوية ذكورية. ولم يكن هذا الفعل الجريء نابعاً من ميل شخصي لجنس آخر، بل كان ضرورة براغماتية؛ فقد كانت مناورة مدروسة للوصول إلى فرص كانت محرمة على نساء ذلك العصر، وأبرزها المسار المهني في الطب. نشأت مارغريت الشابة في عائلة لم تكن تفتقر فقط إلى الاستقرار المالي بعد إقالة والدها من منصبه، بل كانت مفعمة أيضاً بالحس الفني، حيث كانت عمتها الفنانة الأيرلندية الشهيرة جيمس باري (RA). وبفضل مؤامرة معقدة شاركت فيها والدتها ماري آن بولكلي، والجنرال فرانسيسكو دي ميراندا، والدكتور إدوارد فراير، والمحامي دانيال ريردون، حدث هذا التحول الجذري، لتبدأ حياة من الإنجازات الاستثنائية المتخفية خلف قناع حافظت عليه بدقة متناهية.
من رائد في الطب إلى جراح عسكري
في عام 1809، بدأ "جيمس باري" دراساته الطبية في جامعة إدنبرة، مواجهاً موجات من الشكوك حول صغر سنه وما اعتُبر أنوثة في ملامحه، لكنه نجح في النهاية كطالب أدب وطب، وحصل على درجة الدكتوراه في الطب عام 1م12. وتلت ذلك تدريبات إضافية في مستشفيات غاي وسانت توماس في لندن، توجت باجتياز امتحان الكلية الملكية للجراحين في إنجلترا عام 1813. وبهذا التأهيل، انضم باري إلى الجيش البريطاني، ليبدأ مسيرة مهنية امتدت لخمسين عاماً، ارتقى خلالها إلى رتبة مفتش عام – وهو ما يعادل رتبة عميد – وهي ثاني أعلى منصب طبي يمكن بلوغه. قادته خدمته عبر المساحات الشاسعة للإمبراطورية البريطانية، مع محطات هامة في كيب تاون بجنوب أفريقيا، حيث ناضل من أجل تحسين الظروف الصحية والممارسات الجراحية في المستشفيات. كان شخصية تقدمية، دافع عن تحسين الصرف الصحي ورعاية المرضى قبل وقت طويل من قبول هذه المفاهيم على نطاق واسع. ولم تكن مهارة باري كجراح محل شك؛ إذ يُنسب إليه إجراء أول عملية قيصرية ناجحة في أفريقيا – حيث نجا كل من الأم والطفل – وهو ما يعد شهادة على شجاعته وبراعته الطبية. وطوال مسيرته العسكرية، ظل باري مستقلاً بشدة، وكثيراً ما اصطدم مع رؤسائه بسبب معاييره الصارمة ورفضه التنازل عن مصلحة المرضى.
نزعة فنية توازي النداء الطبي
بينما يُعرف جيمس باري في المقام الأول بإسهاماته الطبية، إلا أنه امتلك موهبة فنية جليّة سارت جنباً إلى جنب مع مساعيه الطبية. فقد أنتج العديد من الرسومات والألوان المائية، التي غالباً ما صورت مشاهد من حياته العسكرية أو صوراً لأفراد التقى بهم خلال خدمته. وتكشف هذه الأعمال عن عين ثاقبة للتفاصيل، وحساسية تجاه التكوين، وقدرة واضحة على التقاط ملامح موضوعاته بدقة. ورغم أنه لم يكن فناناً محترفاً بالمعنى الذي كانت عليه عمته جيمس باري (RA)، إلا أن مساعيه الفنية نالت اعتراف رعاة مؤثرين مثل السير توماس بيرك، الذي قدم له الدعم في بداياته. وكثيراً ما كانت رسوماته بمثابة دراسات لتكوينات أكبر أو تأملات شخصية في تجاربه. وتمنحنا الأعمال الفنية الباقية لمحات عن عالم خاص يوازي الشخصية العامة للجراح المتفاني؛ ومن الأمثلة الصارخة لوحة "رجل بأذرع ممدودة من الخلف"، وهي دراسة بالفحم تستعرض تشريحاً مستوحى من عصر النهضة وتقنية بارعة، مما يكشف عن تفاني باري في الدقة التشريحية – وهي مهارة صقلها من خلال تدريبه الطبي ولكن طبقها بلمسة فنية ساحرة.
الكشف عن الحقيقة والإرث الخالد
ظل السر الاستثنائي لهوية جيمس باري الحقيقية مخفياً حتى بعد وفاته في عام 1865. وقد أحدث الكشف عن أن الجراح العسكري الموقر قد ولد أنثى صدمة في المجتمع الفيكتوري، مما أثار مزيجاً من الفضيحة والذهول. وبينما نظر البعض إلى الأمر كنوع من التجاوز، أدرك آخرون الإنجاز المذهل المتمثل في العيش بنجاح وتحقيق مكانة مهنية مرموقة مع إخفاء الهوية الجندرية في عصر سادته الأعراف الأبوية الصارمة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت قصة باري موضوعاً للبحث الأكاديمي المكثف، حيث تستكشف ثيمات الهوية الجندرية، والقيود الاجتماعية، والمدى الذي قد يذهب إليه الأفراد لتحقيق طموحاتهم. ولا تزال الأدلة المحدودة المحيطة بحياته الشخصية بعيداً عن مسيرته العسكرية تغذي التكهنات وصناعة الأساطير، مما يضيف طبقات من الغموض لهذه الشخصية الفريدة. واليوم، يُحتفى بجيمس باري كجراح رائد، ورمز للتحدي ضد التوقعات المجتمعية، وفنان يستحق أعماله التقدير جنباً إلى جنب مع قصة حياته الاستثنائية. إن إرثه يتردد صداه في النقاشات المعاصرة حول الهوية الجندرية وتجارب العبور الجندري، رغم أنه من الضروري فهم خياراته ضمن السياق التاريخي للقرن التاسع عشر. ويبقى شخصية آسرة، تتحدى الروايات التقليدية وتلهم الاستكشاف المستمر لشخصيته متعددة الأوجه.